تقرير بحث السيد الخوئي للتبريزي

60

مصباح الفقاهة

وغيرهما من الألفاظ المفردة والمركبة التي هي من الأمارات الجعلية . نعم تفترق الجمل الانشائية عن الجمل الخبرية بأن الجمل الانشائية إنما وضعت بهيئاتها الانشائية لابراز أمر ما من الأمور النفسانية ، وهذا الأمر النفساني قد يكون اعتبارا من الاعتبارات ، كما في الأمر والنهي والعقود والايقاعات ، وقد يكون صفة من الصفات ، كما في التمني والترجي . ولأجل ذلك أن الجمل الانشائية لا تتصف بالصدق تارة وبالكذب أخرى ، إذ ليس في مواردها خارج تطابقه النسبة الكلامية أو لا تطابقه ، وهذا بخلاف الجمل الخبرية فإنها موضوعة لابراز قصد الحكاية عن الثبوت أو السلب ، وعليه فالهيئات التركيبية للجمل الخبرية أمارة على قصد المتكلم للحكاية عن النسبة ، وهذه الحكاية قد تطابق الواقع فتكون الجملة صادقة وقد تخالفه فتكون كاذبة . وقد اتضح لك مما ذكرناه أن المتصف بدأ بالصدق والكذب في الجمل الخبرية إنما هو الحكاية عن الواقع ، وأما اتصاف الجملة الخبرية بهما إنما هو من قبيل وصف الشئ بحال متعلقه . والمتحصل مما بيناه أن استعمال اللفظ في المعنى ليس إلا إظهار المقاصد النفسانية بمبرز خارجي سواء في ذلك الجمل وغيرها ، وإذن فالانشاء من مصاديق استعمال اللفظ في المعنى بلا ارتباط له بايجاد المعنى باللفظ ( 1 ) .

--> 1 - ثم إن الانشاء قد يكون موضوعا لحكم الشارع أو العقلاء وامضائهم ، وقد لا يكون ، كما أن المسافر يكون موضوعا لوجوب القصر والحاضر موضوعا لوجوب التمام ، ولا معنى لأن يتسبب المنشئ بالانشاء إلى اعتبار الشارع كما لا يتسبب إلى حكمه بوجوب القصر في السفر ، وهكذا لا يتسبب المنشئ بالانشاء إلى اعتبار العقلاء ، بل يمكن أن يتحقق البيع مع عدم وجود عاقل في العالم سوى المتبايعين ، ومع وجودهم أيضا ، فالغالب أن المتبايعين لا يقصدان التسبب إلى ذلك ، بل يكونان غافلين عن اعتبار العقلاء . وبالجملة فكما لا يوجد المعنى بالانشاء كذلك لا يتسبب به إلى اعتبار الشارع أو العقلاء أصلا ، بل ليس في مورده سوى ابراز الاعتبار النفساني ، وربما يترتب عليه اعتبار العقلاء أو الشارع ، وهذا غير التسبيب ، وما ذكرناه جار في جميع الانشاءات من العقود والايقاعات من غير فرق بينهما - المحاضرات 2 : 26 .